محمد الغزالي

16

خلق المسلم

لغيره : افعل كذا ، أو لا تفعل كذا . فالتأديب المثمر يحتاج إلى تربية طويلة ، ويتطلب تعهدا مستمرا . ولن تصلح تربية إلا إذا اعتمدت على الأسوة الحسنة ، فالرجل السيء لا يترك في نفوس من حوله أثرا طيبا . وإنما يتوقع الأثر الطيب ممن تمتد العيون إلى شخصه ، فيروعها أدبه ، ويسبيها نبله ، وتقتبس - بالإعجاب المحض - من خلاله ، وتمشي بالمحبة الخالصة في آثاره . بل لا بد - ليحصل التابع على قدر كبير من الفضل - أن يكون في متبوعه قدر أكبر ، وقسط أجل . وقد كان رسول الإسلام بين أصحابه مثلا أعلى للخلق الذي يدعو إليه ، فهو يغرس بين أصحابه هذا الخلق السامي ، بسيرته العاطرة ، قبل أن يغرسه بما يقول من حكم وعظات . عن عبد اللّه بن عمرو قال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن فاحشا ولا متفحشا ، وكان يقول : « خياركم أحاسنكم أخلاقا » « 1 » . وعن أنس قال : خدمت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عشر سنين ، واللّه ما قال لي : أفّ قط ، ولا قال لشيء : لم فعلت كذا ؟ وهلّا فعلت كذا ! « 2 » . وعنه : إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فتنطلق به حيث شاءت ، وكان إذا استقبله الرجل فصافحه ، لا ينزع يده من يده ، حتى يكون الرجل ينزع يده ، ولا يصرف وجهه عن وجهه ، حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه ، ولم ير مقدما ركبتيه بين يدي جليس له « 3 » - يعني أنه يتحفظ مع جلسائه فلا يتكبر - . وعن عائشة قالت : « ما خيّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه . وما انتقم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم

--> ( 1 ) البخاري . ( 2 ) مسلم . ( 3 ) الترمذي .